أبي منصور الماتريدي
211
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها ، كان المعطى بها صنفا واحدا مخالفا لما أمر به ؛ فعلى ذلك قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى . . . الآية ، معناه - والله أعلم - أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكرها ، فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه . وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من أهل هذه الأصناف أن يدعي منه خمسا ولا ربعا ، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته « 1 » وحاجته ، وعلى قدر ما يراه الإمام ، فإذا جاء فريق آخر ، أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم .
--> - للاختصاص ، ومعنى الاختصاص : عدم خروجها عنهم . وصرح المالكية بأن التعميم لا يندب إلا أن يقصد الخروج من الخلاف ، وكذا استحب الحنابلة التعميم ؛ للخروج من الخلاف . وذهب الشافعية - وهو رواية عن أحمد وقول عكرمة - إلى أنه يجب تعميم الأصناف وإعطاء كل صنف منهم الثمن من الزكاة المجتمعة ، واستدلوا بآية الصدقات ؛ فإنه تعالى أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك ، وأشرك بينهم بواو التشريك ؛ فدل على أنها مملوكة لهم مشتركة بينهم ؛ فإنه لو قال رب المال : هذا المال لزيد وعمرو وبكر ، قسم بينهم ووجبت التسوية ؛ فكذا هذا ، ولو أوصى لهم وجب التعميم والتسوية . وتفصيل مذهب الشافعية في ذلك : أنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية في القسم إن قسم الإمام وهناك عامل ، فإن لم يكن عامل بأن قسم المالك ، أو حمل أصحاب الأموال زكاتهم إلى الإمام - فالقسمة على سبعة أصناف ، فإن فقد بعضهم فعلى الموجودين منهم ، ويستوعب الإمام من الزكوات المجتمعة عنده آحاد كل صنف وجوبا ، إن كان المستحقون في البلد ، ووفى بهم المال ، وإلا فيجب إعطاء ثلاثة من كل صنف ؛ لأن الآية ذكرت الأصناف بصيغة الجمع . قالوا : وينبغي للإمام أو الساعي أن يعتني بضبط المستحقين ومعرفة أعدادهم وقدر حاجاتهم واستحقاقهم ، بحيث يقع الفراغ من جمع الزكوات بعد معرفة ذلك أو معه ليتعجل وصول حقهم إليهم . قالوا : وتجب التسوية بين الأصناف وإن كانت حاجة بعضهم أشد ، ولا تجب التسوية بين أفراد كل صنف إن قسم المالك ، بل يجوز تفضيل بعضهم على بعض ، أما إن قسم الإمام فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات ، فإن فقد بعض الأصناف أعطى سهمه للأصناف الباقية ، وكذا إن اكتفى بعض الأصناف وفضل شيء ، فإن اكتفى جميع أفراد الأصناف جميعا بالبلد ، جاز النقل إلى أقرب البلاد إليه على الأظهر . وقال النخعي : إن كانت الزكاة قليلة جاز صرفها إلى صنف واحد ، وإلا وجب استيعاب الأصناف . وقال أبو ثور وأبو عبيد : إن أخرجها الإمام وجب استيعاب الأصناف ، وإن أخرجها المالك جاز أن يجعلها في صنف واحد . ينظر : المغني ( 2 / 688 - 670 ) ، وفتح القدير ( 2 / 18 ) ، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ( 1 / 498 ) ، والمجموع ( 6 / 185 - 186 ) . ( 1 ) الفاقة : الفقر والحاجة . ينظر : المعجم الوسيط ( 706 ) ( فاق ) .